الشيخ محمد رشيد رضا
458
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك أو الوالدين أو الأقربين أو على ذي قرابتك واشراف قومك ، فإنما الشهادة للّه وليست للناس ، وان اللّه رضي بالعدل لنفسه والاقساط . والعدل ميزان اللّه في الأرض ، به يردّ اللّه من الشديد على الضعيف ، ومن الصادق على الكاذب ، ومن المبطل على المحق ، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب ويردّ المعتدي ويوبخه تعالى ربنا وتبارك ، وبالعدل يصلح الناس ، يا ابن آدم . ان يكن غنيا أو فقيرا فاللّه أولى بهما ، يقول اللّه أنا أولى بغنيكم وفقيركم . ولا يمنعك غنى غنيّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم فان ذلك من الحق . اه قال تعالى فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا اي فلا تتبعوا الهوى وميل النفس إلى أحد ممن كلفتم العدل فيهم ، أو الشهادة لهم أو عليهم ، كراهة أن تعدلوا ، بل آثروا العدل على الهوى ، فبذلك يستقيم الامر في الورى ، أو لا تتبعوا الهوى لئلا تعدلوا عن الحق إلى الباطل فالهوى مزلة الاقدام وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً كتبت « تَلْوُوا » في المصحف الإمام بواو واحدة لتحتمل القراءتين المتواترتين وهي قراءة الكوفيين « تلوا » بضم اللام وإسكان الواو من الولاية وقراءة الباقين بسكون اللام وضم الواو من الليّ والمعنى على الأول : وان تلوا أمر الشهادة وتؤدوها ، أو تعرضوا عن تأديتها وتكتموها ، فان اللّه كان خبيرا بعملكم لا يخفى عليه قصدكم ونيتكم فيه ، وعلى الثاني وان تلووا ألسنتكم بالشهادة وتحرفوها ، أو تعرضوا عنها فلا تؤدوها ، فان اللّه كان بعملكم هذا خبيرا فيجازيكم عليه . وقد ذكرهم هنا بكونه خبيرا ولم يقل عليما لان الخبرة هي العلم بدقائق الأمور وخفاياها ، فهي التي تناسب هذا المقام الذي تختلف فيه النيات ، ويكثر فيه الغش والاحتيال ، حتى أن الانسان ليغش نفسه ويلتمس لها العذر في كتمان الشهادة أو التحريف فيها ، فهل يتدبر المسلمون الآية كما أمرهم اللّه بتدبر القرآن فيقيموا العدل والشهادة بالحق ، أم يعملون برأي أهل الحيل الذين يزعمون أن اللّه كلفهم اتباعهم دون اتباع كتابه والاهتداء به ؟ ؟